محمد حسين هيكل

113

حياة محمد ( ص )

أسباب عود المهاجرين من الحبشة 1 - إسلام عمر هذه هي الحجج التي يسوقها من يقولون بصحة حديث الغرانيق ، وهي حجج واهية لا تقوم أمام التمحيص . ونبدأ بدفع حجة المستشرق موير ؛ فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة إنما دفعهم إلى العود إلى مكة سببان : أولهما أن عمر بن الخطاب أسلم بعد هجرتهم بقليل . وقد دخل عمر في دين اللّه بالحميّة التي كان يحاربه من قبل بها ، لم يخف إسلامه ولم يستتر ، بل ذهب يعلنه على رؤوس الملأ ويقاتلهم في سبيله . ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسللهم إلى شعاب مكة يقيمون الصلاة بعيدين عن أذى قريش ، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه . هنالك أيقنت قريش أن ما تنال به محمدا وأصحابه من الأذى يوشك أن يثير حربا أهلية لا يعرف أحد مداها ولا على من تدور دائرتها . فقد أسلم من قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور لقتل أيّ واحد منهم قبيلته وإن كانت على غير دينه . فلا مفّر إذا من الالتجاء في محاربة محمد إلى وسيلة لا يترتب عليها هذا الخطر . وإلى أن تتفق قريش على هذه الوسيلة ، هادنت المسلمين فلم تنل أحدا منهم بأذى . وهذا هو ما اتّصل بالمهاجرين إلى الحبشة ، ودعاهم إلى التفكير في العود إلى مكة . 2 - ثورة الحبشة وربما تردّدوا في هدا العود لو لم يكن السبب الثاني الذي ثبّت عزمهم ؛ ذلك أن الحبشة شبّت بها يومئذ ثورة على النجاشي ، كان دينه وكان ما أبدى من عطف على المسلمين بعض ما أذيع فيها من تهم وجهت إليه . ولقد أبدى المسلمون أحسن الأماني أن ينصر اللّه النجاشي على خصومه ؛ لكنهم لم يكونوا ليشاركوا في هذه الثورة وهم أجانب ، ولم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة غير زمن قليل . أما وقد ترامت إليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش ، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من الأذى ، فخير لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم وأن يلحقوا بأهليهم ؛ وهذا ما فعلوه كلهم أو بعضهم . على أنهم ما كادوا يبلغون مكة حتى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد وأصحابه ، واتّفقت عشائرها وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة ؛ فلا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم . وبهذا الكتاب عادت الحرب العوان بين الفريقين ، ورجع الذين عادوا من الحبشة ، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم . وقد وجدوا هذه المرة عنتا من قريش إذ حاولت أن تمنعهم من الهجرة . ليس الصلح الذي يشير إليه المستشرق موير ، هو إذا الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد الحبشة ؛ إنما دعاهم هذه الهدنة التي حدثت على إثر إسلام عمر وحماسته في تأييد دين اللّه . فتأييد حديث الغرانيق إذا بحجة الصلح تأييد غير ناهض . الاحتجاج بالآيات مقلوب أمّا احتجاج المحتجين من كتاب السيرة والمفسرين بالآيات : ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) و ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ . . ) فهو احتجاج أشدّ تهافتا من حجة السير موير ويكفي أن نذكر من الآيات الأولى قوله تعالى : ( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ) لنرى أنه إن كان الشيطان قد ألقى في أمنية الرسول حتى لقد كان يركن إليهم شيئا قليلا فقد ثبّته اللّه فلم يفعل ، ولو أنه فعل لأذاقه اللّه ضعف الحياة وضعف الممات . وإذا فالاحتجاج بهذه الآيات احتجاج مقلوب . فقصة الغرانيق